|
.jpg)
المتوسط اونلاين - ينظر إلى الزيارة التي أداها الأسبوع المنقضي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى سورية على أنها الأكثر إثارة سياسيا في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية. فحتى الأمس القريب لم تكن العلاقات بين الرياض ودمشق على وفاق، تماما مثلما لم تكن كذلك في أغلب فترات العقود الماضية، رغم ما كان يروج عن متانة العلاقة التي بدأت بين الرياض ودمشق منذ أيام شكري القوتلي، أول رئيس للجمهورية السورية.
وبحساب المصالح المتبادلة، فإن مرحلة الود الوحيدة التي مازالت تتذكرها المنطقة هي تلك التي لم تتجاوز خمسة عشر عاما، وجمعت البلدين بعد الاجتياح العراقي للكويت، عندما انضمت سورية إلى تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، لكن تلك المرحلة لم تثمر، بالمعنى الاستراتيجي، نتائج ملموسة بين بلدين شقيقين. إلا أن الزيارة الأخيرة للملك عبد الله يبدو أنها أسس فتح طريق جديدة بين الرياض ودمشق، وإذا صدقت النوايا فإن المنطقة برمتها مقبلة على تغيرات استراتيجية لن تأتي دفعة، في حين يبقى السؤال الآن، هو ماذا بعد زيارة الملك عبد الله إلى سورية؟
الأوساط السياسية والإعلامية السورية والسعودية تلتقي عند وصف زيارة خادم الحرمين الشريفين بأنها استراتيجية وتاريخية، فعلاوة على أنها تأتي عقب فترة من القطيعة بين البلدين فهي تأتي في توقيت حساس للمنطقة ككل، حيث بدأت تظهر على السطح ملامح علاقات اقليمية جديدة لشرق أوسط ليس كما أرادته إدراة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ولكن بناء على إعادة هندسة تقررها السعودية في ضوء التغيرات الدولية الراهنة.
ويعقد المراقبون آمالا كبيرة على أن تكون اللقاءات بين الملك عبد الله والرئيس بشار الأسد خطوة مهمة للنهوض بالعمل العربي المشترك وتدفع بقوة إلى لقاء القوى العربية الفاعلة حول إستراتيجية قادرة على تصحيح الواقع العربي الراهن.
ويشير رئيس تحرير جريدة الرياض تركي السديري إلى أن هذه القمة خطوة عربية مهمة لتغيير الواقع العربي الراهن، ويؤكد أن سورية والسعودية دولتان مهمتان وجديرتان بممارسة دور قيادي في تجميع جميع القوى العربية الفاعلة حول إستراتيجية قوية قادرة على تعديل الانحرافات القائمة في الواقع العربي الراهن وعلى منع التدخلات الخارجية في العالم العربي.
وكان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله قد تعهد خلال القمة العربية الإقتصادية الأولى بالكويت في كانون الثاني- يناير الماضي أن يكون هذا العام 2009 عام المصالحة بين العرب، فكان أن انعقدت قمة مصغرة للمصالحة وجمعت الملك عبد الله بالأسد إضافة إلى الرئيس المصري حسني مبارك والملك الأردني عبد الله الثاني وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة أمير قطر الشيح حمد بن خليفة آل ثاني وأمير الكويت صباح الأحمد، وتلت تلك الخطوة مصالحة أخرى في مارس- آذار على هامش القمة العربية في الدوحة وجمعت خادم الحرمين والعقيد الليبي معمر القذافي برعاية أمير قطر.
ومنذ قمة الكويت مرت العلاقات السعودية السورية بـ"فترة نقاهة"، تبادل خلالها البلدان زيارات لمسؤولين رفيعي المستوى، من بينها زيارة الرئيس الأسد إلى جدة في 23 أيلول-سبتمبر الماضي لحضور افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، بعد أقل من شهر من إعادة السفيرين إلى كل من الرياض ودمشق.
وكانت العلاقات بين الرياض ودمشق قد تدهورت بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في شباط- فبراير 2005، وازدادت الخلافات عمقا بين البلدين خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006، كما أن التحالف السوري مع ايران، أثار الكثير من الاستياء لدى السعودية ومصر، إذ كان هذان البلدان ينظران بعين الريبة للتحالف بين دمشق وطهران، ويشعران بالقلق إلى التدخلات الايرانية في المنطقة بدءا من العراق مرورا باليمن والقضية الفلسطينية وصولا إلى لبنان.
وتحد زيارة الملك عبد الله إلى سورية بعض الشيء من حرارة التحالف بين دمشق وطهران، لا سيما بعد النوايا الايرانية الاخيرة تجاه سورية، إثر التفجيرات التي حدثت في بغداد شهر آب- أغسطس الماضي، وما تلاها من اتهام نوري المالكي، رئيس الحكومة في العراق، دمشق بالوقوف خلف تلك التفجيرات، وأمام الانتقاد الأميركي لذلك الاتهام، أثبت لدى كثيرين أن ذلك الاتهام كان رسالة ايرانية لسورية بضرورة الابتعاد عن العراق.
وساهم هذا التطور في تقريب المواقف بين دمشق والرياض، والذي انعكس بوضوح في البيان الختامي، لقمة عبد الله- الأسد، إذ جرت المطالبة بالحفاظ على وحدة العراق، ورفض التدخلات في شؤونه، وهي رسالة معاكسة موجهة لايران.
ومثلما تم الاتفاق على دعوة اللبنانيين إلى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري، وقع الاتفاق أيضا على تعزيز العلاقات الثنائية، خصوصا على المستوى الاقتصادي، حيث بدا أن التفاهمات التي تم توقيعها ستفضي إلى تغيير كبير للاقتصاد السوري على الخصوص، في وقت بدأ فيه الانفتاح الأوروبي على عاصمة الأمويين يؤشر على مرحلة جديدة.
وحتى قبل أن يجف حبر التفاهمات، بدأ الجانبان السوري والسعودي بترجمة نتائج قمة خادم الحرمين والرئيس الأسد إلى وقائع ملموسة لتطوير العلاقات الثنائية، بينها رفع مستوى التبادل التجاري وعقد اجتماع لمجلس رجال الأعمال وإقامة مشاريع استثمارية مشتركة.
ويشعر رجال الأعمال السعوديين أن أمامهم فرصاً واعدة للاستثمار في سورية، بالنظر إلى قوة البيئة الاستثمارية هناك وتحسنها خلال الفترة الأخيرة، لاسيما في ضوء دخول المستثمرين الخليجيين بقوة من خلال ضخ رساميلهم في عدد من القطاعات الحيوية رغبة منهم في اقتناص السبق وتحقيق عوائد مجزية
يذكر أن العلاقات الاقتصادية السعودية السورية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً تمثل في زيادة حجم التبادل التجاري، إذ تضاعفت صادرات المملكة لسورية نحو خمس مرات، وفي الوقت نفسه ارتفعت وارداتها من سورية من 1564مليون ريال في عام 2003 إلى 1866 مليون ريال عام 2007 أي بزيادة 19 في المئة، وبالنسبة لعدد المشاريع المشتركة بين البلدين فتقدر بـ 631 مشروعاً ، منها 238 مشروعاً صناعياً و393 مشروعاً خدمياً بتكلفة إجمالية بلغت 6647 مليون ريال، حصة الشريك السعودي منها 44٪.
وترتبط سورية مع السعودية باتفاق للتعاون التجاري وقّع بين البلدين عام 1972، وقد تضمن مجموعة مهمة من المواد لتنشيط التبادل التجاري، أبرزها إعفاء المنتجات الزراعية والحيوانية والثروات الطبيعية المنتجة في البلدين من جميع الرسوم الجمركية، وإعفاء المنتجات الصناعية السورية كذلك.
ويطمح الجانبان السوري والسعودي إلى الإرتقاء بحجم التبادل التجاري بينهما إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار، ومن شأن بلوغ هذا الرقم الكبير من المعاملات أن ينعكس نتائج سياسية ستتجاوز تداعياتها السعودية وسورية، وسيساعد على إعادة رسم خارطة المنطقة وفق مبدأ المصالحة بين الجميع وخدمة للمصالح العربية دون سواها.
|