من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

العراق يدفع فاتورة الإرهاب والفشل الأميركي PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 14 ديسمبر 2009 22:12

استراحة من القتل

 

مركز الأمة للدراسات والتطوير  - يعاني شعب العراق اليوم من إرهاب الأحزاب المليشياوية وإرهاب السلطة الطائفية وإرهاب القوة اللاشرعي لقوات الاحتلال. وهذا المثلث الدموي شكل ركائز المشهد الامني الدامي في العراق، وبات إرهاب الأحزاب نهجًا سياسيًا مسلحًا تستخدمه كافة مليشيات الأحزاب ومفاصل السلطة في العراق ناهيك عن ممارسات قوات الاحتلال عبر العمليات العسكرية المشتركة بنمط معين وضد مناطق محددة وكذلك فوضى المخبر السري الذي جعل من العراقيين كافة إرهابيين دون تمييز وبالتأكيد من يدفع فاتورة هذا الارهاب الدموي هو الشعب العراقي.

 أبرز سمات المشهد العراقي هيمنة قوات الاحتلال الأميركي سياسيا وعسكريا على مقدرات العراق، وهو توصيف استخدام القوة اللاشرعي وهو حسب توصيف محكمة العدل الدولية "إرهاب القوة اللاشرعي" ونشهد عمليات حربية تنفذها قوات الاحتلال بين اعتقال واغتيال ومداهمات في كافة مناطق ومدن العراق ويظفي عليها شرعية مقنعة بمزاوجة القوات الأمنية الحالية معها التي تؤمن الطرق ومناطق المداهمات فقط بينما تقوم قوات المارينز بالمداهمات المباشرة والاعتقال أو الاغتيال لأبناء الشعب العراقي وحسب نوع المهمة، ويضع هذا الارهاب أسئلة استفهام عديدة عن حقيقة الانسحاب الأميركي أو البيئة التي يفترض تحقيقها تمهيدا للانسحاب من العراق خصوصا إذا علمنا أن في العراق 135الف جندي أميركي وشركات الخدمات العسكرية الخاصة(المرتزقة – الاستخبارات - المخابرات) وتقوم بعدد من العمليات العسكرية والمخابراتية مقابل ثمن، وتحظى بحصانة صلبة واستقلال وكتمان في التنفيذ عالي المستوى وتخضع تلك لإرادة الخارجية ووكالة المخابرات الأميركية ويقدر عددها من 160 ألف إلى 200 ألف متعهد، ويا ترى كيف تقوم بأعمالها الحربية وتؤمن وجودها في العراق حيث ينظر إليها قوات احتلال؟!

 برز بشكل واضح فشل الإدارة الأميركية السابقة وهشاشة الهياكل البنيوية السياسية والعسكرية والقانونية التي أوجدتها في العراق والتي خلفت اكلاف بشرية ومادية بأرقام فلكية دفع فاتورتها الشعب العراقي خارج أي مقياس متعارف عليها، ويفترض من العملية السياسية أن تجلب للعراق وشعبه الأمن والاطمئنان وهذا ما لم يتحقق حيث نجد ضحايا بأرقام مليونية فما جدوى بقاء هذه الطبقة السياسية والكلفة باهضة أرواح ودماء ومعدات ومنشآت لا تعوض، ناهيك عن صراع نفوذ مخابراتي أجنبي وإقليمي على ارض العراق عبث بأمن الفرد والمجتمع العراقي[1]،مما يجعل تطبيق الأمن وفق مفهوم القيم والهوية الوطنية مستحيلا.

 استخدمت الدوائر الإعلامية والسياسية العراقية منذ الغزو ولحد الآن مجموعة من المصطلحات الإعلامية التي تجعل العمليات الإرهابية الشبحية التي تستهدف المدنيين الأبرياء موشحة بقطب واحد، وفي الغالب تعلق على شماعة القاعدة أو النظام السابق وبذلك تجعل العنف معوما وسائبا باتجاه واحد لأغراض سياسية وطائفية ذات منحى مخابراتي تتواءم مع حجم التكتيك المفروض إحداثه على الأرض وبما يتفق مع الهدف الاستراتيجي السياسي والإعلامي للأجندات والإرادات المتصارعة، ويستبعد بذلك كافة عناصر الارهاب السياسي في العراق وهم عناصر الشك في دائرة الأمن الوقائي مادام الاسلحة والمتفجرات متاحة لهم، بل منحت بؤر الارهاب السياسي المختلفة صك البراءة وهي ضالعة في غالبية العمليات الإرهابية ضد الشعب العراقي، في ظل انتشار العناصر المليشياوية المسلحة المتنازعة التي تحمل السلاح وتمتلك قدرة نقل المتفجرات والمرور الآمن من السيطرة ونقاط التفتيش باستخدام طواقم الأحزاب الحاكمة المسلحة ودوائرها والحمايات الشخصية، والعناصر المدمجة ضمن الأجهزة الحكومية كخلايا نائمة.

 ولابد من الاشارة إلى أن المجاميع الخاصة المسلحة وفرق الموت المرتبطة بإيران واسرائيل تنفذ أجندات إقليمية تسعى لإذكاء الصراع الطائفي والمذهبي وتمتلك ترسانة أسلحة وذخائر متطورة مختلفة، وعرضت وسائل الإعلام وبشكل مستمر أكداس الأعتدة والمتفجرات المرسلة من إيران ناهيك عن تغلغل المليشيات الطائفية والعرقية المسلحة في القوات المسلحة الحالية، وتتميز تلك المليشيات بخطورتها على الأمن القومي العراقي وتستهدف البنية التحتية للمجتمع العراقي، وقد ارتكبت الكثير من جرائم التطهير الطائفي في عدد من مدن العراق ومناطق بغداد ضمن عمليات التطهير الطائفي عام2006-2007، وترتبط بأجهزة مخابرات أجنبية وإقليمية ولا تزال تتمتع بسطوة وحصانة وحرية الحركة بالسلاح والبعض منهم نفذ عمليات التصفية الجسدية للكفاءات والنخب والعلماء والضباط وفق قوائم تصدر من الاطلاعات الإيرانية، وهنا نجد أن إيران ضالعة بعمليات الارهاب والتفجير التي طالت العراقيين ولا يمكن إغفال الدور الصهيوأميركي.

 

سياسة التجويع وتصنيع التخويف

 

 استخدمت الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية سياسات وتكتيكات مخابراتية أبرزها سياسة التجويع والعزل وتفتيت القيم الأخلاقية وفصل الفرد عن عناصر الحشد الوطني والمتمثلة بالتعاليم الإسلامية أو الدينية والعادات والتقاليد العربية الأصيلة وكذلك منظومة القيم الوطنية والعادات والتربية العراقية، لتجعل الفرد عنصر مفرغ من كافة القيم ويسعى للبقاء حيا دون الأخذ بنظر الاعتبار مجموعة الحشد الاجتماعي والوطني، وبذلك تسخره تلك الدوائر وتطوعه لتنفيذ مهامها القذرة من تفجيرات وتجسس وعمالة، ويتم كذلك استخدام ما يطلق عليه سياسة الخوف وتصنيع التخويف وهي من مفردات الحرب النفسية بما يطلق عليه "الحركة" والساعية لزرع الخوف المستديم في النسيج الاجتماعي بشكل عام ويجري تفكيكه إلى مكونات وطوائف وأعراق ليشكل محاور دويلات متنازعة سياسيا وطائفيا وعرقيا واجتماعيا وهي السياسية القديمة الجديدة "فرق تسد"، وبذلك يمارس كل جهد إرهاب المليشيات وفق طريقته تجاه المكون المستهدف لغرض بث الهلع والخوف من الحرب الأهلية والإيحاء بان هذا الحزب ومن خلفه تلك الدولة هي التي تحقق له الأمان والحماية لتلك الطائفة أو العرق، ويؤسس بذلك إلى جهد شعبي وفق الاستقطاب الطائفي والاثني والعرقي كي يحقق شارع انتخابي مقبل للمرحلة القادمة، لقد أصبح الشعب العراقي ميدان وحقل تجارب لتطبيقات دموية شاذة تحقق متغيرات تستثمر رد الفعل العاطفي والشعبي وتوظفه لتحقيق أهدافها المشبوهة.

 

انسحاب أميركي مسؤول أم مؤجل

 

 تشير المعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية في الولايات المتحدة إلى أن الانسحاب الأميركي من العراق وإنهاء الحرب ضرورة إستراتيجية ملحة للولايات المتحدة الأميركية، خصوصا إذا علمنا أن حجم الخسائر البشرية والأكلاف المادية التي أدت إلى الانهيار الاقتصادي يشكل الإنفاق على العراق 80% منه، وارتفاع حصيلة القتلى والإصابات في الجيش الأميركي[2]، وتراجع حالة الاستعداد القتالي للقوات المسلحة الأميركية عما كانت عليه قبل غزو العراق[3]،وتشير التقارير إلى تراجع جاهزية أهم عشرين نوع من أنواع المعدات والاعتده وقد شهدت تدهورا واضحا منذ عام1999 وتشتمل،الدبابات، ومركبات القتال المصفحة،الشاحنات، الطوافات، وطائرات القتال،إضافة إلى ذلك أن القوات المسلحة استخدمت المخزونات المجهزة مسبقا من الوقود واللوازم وتستمد ما بحاجة إلى استبداله من الوحدات المنشورة حديثا(تاركة تلك الوحدات تعاني نقصا في المعدات) وتستنزف فوق ذلك الكثير من عتاد الحرس الوطني.

 نفترض ان الإدارة الأميركية الحالية ستنتهج (المنحى العقلاني) لإنهاء الحرب في العراق وتطبيق المرتكزات الأساسية لصنع قرار الانسحاب الجاد والمسؤول من العراق، لان استمرار الاحتلال للعراق يؤدي لأنفاق شهري بمعدل12 ترليون دولار طبقا للسيناريو المثالي وما يقارب600 تريليون دولار للسنتين القادمتين دون حساب المتغيرات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالولايات المتحدة الأميركية والعالم،ولكن نجد أن النزعة العسكرية الأميركية لا تزال حاضرة بقوة في المشهد العراقي وكذلك في الشرق الأوسط خصوصا إذا علمنا أن إستراتيجية اوباما في افغانستان تعتمد على تجربة العراق بما يسمى الاندفاعة وزيادة القوات وتجنيد أبناء البلد كمرتزقة للقيام بمهام مشتركة حربية اميركية، ولا تزال النزعة الحربية قائمة دون تغيير.

 

صراع الأجندات والمصالح الأجنبية

 

 شكلت العملية السياسية بالعراق بعد الغزو عام 2003 من ثلاث إضلاع تمثل ثلاث أجندات تحالفت لغزو العراق ترجمتها عدد من الورش المخابراتية ذات الصفة السياسية والمرتبطة بوكالة الاستخبارات الأميركية سي أي إيه والمخابرات البريطانية ام16 وهذا يمثل الجهد الأول وهناك أحزاب ذات طابع انفصالي مرتبطة بالمشروع الصهيوني لتقسيم العراقي ناهيك عن الجهد الثالث وهو الأكثر انتشار من شمال العراق وحتى جنوبه المتمثل بالمليشيات والأحزاب المخابراتية ذات الطابع السياسي والديني والمرتبطة جذريا بإيران مما يحقق لها ذراعي نفوذ سياسي مخابراتي وعسكري تنفيذي بطابع رسمي وأخر مليشاوي، ونجد أن الجهدين الآخرين إسرائيل وإيران يتصارعان بقوة على النفوذ في العراق عبر زعانفها الموشحة بالعمل السياسي وتستعمل أوراق ضغط سياسية دموية ذات طابع مليشاوي وبتخطيط مخابراتي وأبرزها العمليات الإرهابية من خلال التفجير والخطف والقتل والاغتيالات وقد شكل هذا الشغب عبئًا حقيقيا على اميركا وبريطانيا وساهم في تسريع منح الوصايا على العراق (الحرب بالوكالة) إلى الدول الإقليمية إيران وتركيا واسرائيل،ونجد أن مفاصل العملية السياسية الحالية تشكل زعانف لتلك الدول وتسعى لتحقيق مصالحها وتطبيق أجنداتها على ارض العراق بعيدا عن مصلحة العراق العليا ونلاحظ أنها تشكل اللبنة الأساسية لمشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات طائفية أثنية عرقية، بات من الواضح أن الشعب العراقي مغيب تماما وإرادته ومصادرة من قبل تلك الأحزاب المزدوجة الولاء والتي تنهش بالجسد العراقي وتفت بنيته الاجتماعية وتحول أيام العراقيين من يوم دامٍ إلى أسبوع دامٍ ومنه كذلك إلى شهر دامٍ نظرا لخلفية هذه الأحزاب الدموية حيث كانت تنفذ تلك الأعمال ضد الشعب العراقي قبل غزو العراق، لقد حملت التفجيرات الدامية رسائل سياسية ذات طابع انتخابي في اعنف صراع على المناصب والسلطة في ظل الاحتلال، خصوصا وقد أمنت تلك القوى الظلامية التي تمارس الارهاب السياسي المسائلة والعقاب بل وتعدت ذلك لتمارس نفس الارهاب ضد المسؤولين الامنيين وكانت المليشيات قد قتلت احد المسؤولين الامنيين المتخصصين بالتفجيرات والذي كان قد اكتشف خيوط تقود إلى المنفذ الحقيق لتفجير الأربعاء والأحد الداميين، ويبدو أن تفجير الثلاثاء الدامي يحمل نفس نمطية المشهد وذات الرسائل السياسية المحتربة على المناصب والسلطة، لذا بات على الولايات المتحدة الأميركية أن تعيد حساباتها في العراق وتعيد قراءة الموقف بشكل عقلاني يتلاءم مع المعطيات والحقائق التي تشير أن العراق أصبح بفضل اميركا بلدا مهدما تنخره المليشيات وعصابات الجريمة المنظمة ويستشري الفساد السياسي والمالي في كافة أرجائه بل وأصبح الارهاب يضرب كافة مفاصله ويمول نفسه من أموال الشعب العراقي وتخصيص الوزارات وعقودها المالية الكبيرة وبنفس الوقت تؤمن نفسها بحصانة سياسية يحقق لها نقل المتفجرات والاعتدة لأي مكان محصن واستهداف أي مرفق حيوي وبالمقابل ألقاء التهم الجاهزة أصبحت طبيعة ونمطية سياسية دعائية تحقق حرية الحركة وتعطي صك البراءة للمجرم والإرهابي الحقيقي.

 

مركز الأمة للدراسات والتطوير – قسم الدراسات

هوامش:

[1]. طيلة سنوات الاحتلال لم يعرف الشعب العراقي الأمن والطمأنينة حيث تبطش به قوات الاحتلال، والمرتزقة،والقوات الموشحة باللباس الحكومي،والمليشيات الطائفية والحزبية، وعصابات الجريمة المنظمة،والعصابات المحلية والسبب الرئيس هو وجود قوات الاحتلال والمفاصل الشبحية التابعة له والتي تسعى لتحقيق الأمن السياسي لقواتها في العراق.

[2]. يشير تقرير اقتصادي رصين صدر نهاية عام2008، للبروفيسور الاقتصادي الأميركي"جوزيف ستيغلتز" والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، إلى أن القوات المسلحة الأميركية استهلكت قدرتها وجاهزيتها من جراء الحرب في العراق، حيث بلغ الجنود الجرحى 110الف 65الف إصابات غير قاتلة،14الف منهم إصابات خطرة مميتة، وهناك أكثر من200الف امرأة ورجل ممن خدموا بالعراق وأفغانستان معطوبين جسديا أو نفسيا ممن عادوا بالفعل إلى أميركا، و هناك مايقارب751الف تم تسريحهم ممن خدموا في العراق وأفغانستان وغالبيتهم بناء على طلبهم،وهناك أكثر من263الف جندي عولجوا في المستشفيات 100الف منهم حالات صحية نفسية مضطربة،52 ألف اضطراب عصبي عقب الصدمة الناتجة من عمليات المقاومة "العبوات"والبقية إصابات مختلفة، أمراض،رضات دماغية،تدريب، اصطدام شاحنات،بتر الأطراف،الحروق الشديدة،العمى،عطب العمود الفقري، انظر "جوزيف ستيغلتز"، حرب الثلاثة تريليونات،دار الكتاب العربي، بيروت،2009.

[3]. ذكرت دراسة لمعهد نيوأميركان سكيورتي "أن الحرب أضعفت الجيش الأميركي" - استبيان لعدد من ضباط الجيش الأميركي.

 

 

 

المزيد من التقارير

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب