من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

من ذا الذي سينتصر أخيرا في "حرب البذور؟" PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأربعاء, 14 أبريل 2010 22:31

حقوق مملوكة للغير

 

المتوسط اونلاين - من مفارقة هذا العصر أنّه في الوقت الذي تطبل فيه الشركات العالميّة للبذور المحوّرة جينيّا لاقية صدى في أوساط بعض الخبراء من بلدان الجنوب ومن بلداننا العربيّة تعمل البلدان المصنّعة على تجميع البذور الطبيعيّة الأصليّة وتبني بنوكا لها. في السابق كان مزارعونا يحافظون على بذورهم الأصليّة للمواسم القادمة ويتبادلونها مجانا بل كانوا يتبادلون الخبرات والنصائح لضمان إنتاج زراعي أجود. أمّا اليوم فعندما تقصد أحدهم وتحاول أن تسترجع معه ذكريات الزراعة التقليديّة يجيبك والآهة تخرج من صدره الحزين: أي بُنيْ أين هي بذورنا الأصليّة التي كنّا نزرعها والتي كانت تدرّ الخيرات دون اللّجوء إلى الريّ المكثّف! أين هي نوعيّات الطماطم "العربي" والبطيخ العربي. يقول أحد المزارعين الأفارقة: عندما يموت شيخ من أريافنا تذهب معه مكتبات ومجلّدات. أجل هؤلاء يحفظون مختلف نوعيّات البذور. كيف لا وقد رعوها على مدى السنين.

 في الحقيقة إذا استثنينا البذور الخاصّة بكلّ بلد ومنطقة ومجال جغرافي معيّن فإنّ جزءا هامّا من البذور مصدره التبادل المشترك بين مختلف شعوب العالم. فعلى سبيل المثال عندما وقع اكتشاف الولايات المتّحدة الأميركيّة لم يكن هناك من الزراعات المتداولة سوى عبّاد الشمس.

 يعود الفصل لإفريقيا وأميركيا اللاّتينيّة وآسيا وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسّط في ترويج نوعيّات من الحبوب وبذور الخضر والغلال. فنحن ندين لمزارعينا ولمزارعي كلّ العالم. من خصائص البذور الأصليّة تنوّعها وعدم استهلاكها لكمّيّات هائلة من الماء بل إنّ هناك أنواعا من البذور تنبت في السباسب والمناطق شبه الجافّة. ففي التشاد وقبل دخول الاستعمار الفرنسي كانت هناك أكثر من 15 نوعيّة من الشعير وكان المزارعون يفرّقون بينها: نوعيّة خاصّة بموسم الجراد وأخرى بموسم الجفاف... كذلك هي حال أثيوبيا التي يعدّها المختصّون كنزا ثريّا من البذور والنوعيّات النباتيّة.

 خلال العقود التي تلت الحرب العالميّة الثانية وقع إهمال هذه البذور ورُوِّج للبذور المهجّنة التي تمتلكها الشركات المتعدّدة الجنسيّة وهي بذور توفّر محصولا عاليا وبصفة وقتيّة ولكنّها تستنزف مخزون المياه وتتطلّب كمّيّات هائلة من الأسمدة والمبيدات. اليوم يضطرّ المزارعون في بلدان الجنوب إلى شراء بذورهم كلّ سنة من بعض التجّار المحلّيّين المكلّفين بترويج البذور المهجّنة والمستوردة.

 لقد رهنت معظم بلدان الجنوب حاضرها ومستقبلها خصوصا في ظرف اتّسم بهجوم كاسح لقوى المال والأعمال. فحرب الغذاء آتية لا ريب فيها.

 في شهر نيسان-ابريل 2007 كشفت الحكومة النرويجيّة عن التصميم النهائي لـ"قبو القيامة" الذي سيحوي عيّنات من البذور التي يقع تجميعها من كلّ أصقاع العالم. سيقع بناء هذا القبو في جزيرة نائية بالقطب الشمالي وذلك تحسّبا لكارثة طبيعيّة أو وباء أو حرب نوويّة تأتي على المحاصيل الزراعيّة وعلى البذور.

 أجل لقد بدأت الحكومات الغربيّة تعدّ العدّة لـ"يوم القيامة" والتسمية في حدّ ذاتها جدّ معبّرة واختيارها لم يكن اعتباطيّا.

 إنّهم وأعوذ بما فعلت أيديهم وبما أتوه من تخريب للأرض والهواء والغابات والماء والتنوّع البيولوجي والإحصائيّات الرسميّة حول تراجع النوعيّات النباتيّة والحيوانيّة تؤكّد ذلك ولذلك هم يستعدّون إلى اليوم الذي ستحدث فيه الكارثة العظمى.

 ليس النرويجيون وحدهم الواعون بذلك. فهذه الصين الشعبيّة التي عرفت فيها الزراعات المحوّرة جينيّا خيبات أدّت إلى كوارث بيئيّة نخصّ بالذكر منها زراعة القطن المحوّر Bt سيّء السمعة والتي تعرف تدهورا مهولا للتوازن البيئي الفلاحي والتي يتهدّد أراضيها الانجراف والعواصف الرّمليّة التي أصبحت دوريّة تشيّد أكبر بنك للبذور في آسيا وذلك لحماية بذور النباتات المهدّدة بالانقراض. فلقد وقع تجميع أكثر من 20 ألف نوعيّة وركّز المسؤولون هناك على البذور ذات القيمة الغذائيّة والخاصيّات الهامّة والمميّزة. من المعلوم أنّ ما يقارب 20% من النباتات في الصين مهدّدة بالانقراض.

 أمّا في بريطانيا فلقد توصّل القائمون على "بنك سفينة نوح الغذائي" وهو الاسم الذي أطلق على بنك البذور في بريطانيا) إلى الحصول على البذرة رقم مليار وقد جمّعت في هذا البنك مختلف أنواع البذور والنباتات والأصول من كلّ أصقاع العالم.

 ويخطّط المسؤولون عن هذا البنك لخزن 25% من السلالات النباتيّة في العالم وذلك بحلول سنة 2010. من المعلوم أنّ بريطانيا قد بعثت بنكا للأنسجة لتخزين المواد الوراثيّة لآلاف الحيوانات المهدّدة بالانقراض وقد أطلق عليه "سفينة نوح المجمّدة" الذي من بين مهامه الحفاظ على "شفرات الحياة" لهذه النوعيّات من الحيوانات أخيرا وليس آخرا هاهي ماليزيا تخطّط هي الأخرى لإقامة بنك خاصّ للبذور وذلك لدعم قطاع الخضراوات والفواكه والزهور. من بين الأهداف المرسومة الحدّ من استيراد البذور الأجنبيّة وإعادة الاعتبار للمخزون الوراثي لماليزيا من الحبوب والخضر ومختلف أنواع النباتات.

 في بعض بلداننا العربيّة توجد بنوك للبذور لا ترتقي إلى هذا المستوى وتجمّع فيها بعض النوعيّات التي نجح بعض المهندسين الزراعيّين والمختصّين في "إنقاذها" إن صحّ التعبير. لكن في اعتقادي أنّ العديد من البذور الأصليّة لبلداننا يمكن العثور عليها خارج حدودنا.

 من ناحية أخرى نعاين هجوما ضاريا تقوده بعض الشركات العالميّة تحت غطاء تطوير الزراعة في إفريقيا، الهدف منه الاستحواذ على النوعيّات النباتيّة والبذور وربّما تحويرها جينيّا ومن ثمّة تحويلها إلى براءات وحرمان مالكيها الأصليّين منها.

 فإفريقيا تمثّل مخزونا هائلا من النباتات والبذور ولكن مراكز القرار قد تغافلت عن ذلك وفضّلت التعامل مع شركات البذور العالميّة التي تصدّر البذور المهجّنة. لكن رغم كلّ ذلك فإنّ صغار ومتوسّطي المزارعين لازالوا يحافظون على نوعياتهم من البذور ولعلّ فشل "الثورة الخضراء" في إفريقيا (عكس ما حصل في آسيا) قد ساهم إلى حدّ كبير في الحفاظ على هذه البذور والنباتات.

 إنّ تحدّي البذور هو التحدّي الأكبر للقرن الواحد والعشرين إذا أضننا له التحدّي البيئي وتحدّي المياه.

 لقد برزت في بلدان إفريقيا مجموعات عمل ومنظّمات أهليّة غير حكوميّة وتعاونيات للمزارعين وجمعيّات الحفاظ على البيئة والبذور وهيئات ومؤسّسات تعتني بالحفاظ على التنوّع البيولوجي وهي اليوم تحتلّ الصدارة في مقاومة المشاريع الهدّامة والمخرّبة للشركات العالميّة التي لا تعتني إلاّ بالرّبح.

 لكنّ نشاط هذه المجموعات يظلّ محدودا إذا اعتبرنا قوّة الشركات العالميّة وإمكانياتها الماليّة. فلا بدّ لشعوب إفريقيا أن تتجاوز الحالة الدّفاعيّة لتبدأ بالمبادرة وتعمّق الروابط بينها من أجل إيجاد مخارج للزراعة الإفريقيّة يضمن لها السيادة الغذائيّة والحفاظ على التنوّع البيولوجي وتطويره.

 إنّ بعث بنك إفريقي (وعربي) للبذور الأصليّة وترويج هذه البذور في أوساط المزارعين وحتى لدى أصحاب الحدائق مسألة حيويّة ولا بدّ من إعداد العدّة لها وتوفير الاعتمادات الضروريّة لإنجاحها.

 ففي بعض مناطق الهند (وحتى في أوروبا) بدأت تظهر مثل هذه التجارب وقد حقّقت نجاحات باهرة في بعض المناطق وتمكّن المزارعون من الحصول على إنتاج وافر من الغذاء الجيّد والخالي من السّموم وذلك باعتماد بذور وقع استرجاعها أو جمعها من مختلف أصقاع العالم واختيار ما يتلاءم منها مع المناخ والتربة. كما بدأت تظهر في مختلف أصقاع العالم شبكات المزارعين التي تساهم في ترويج المعلومات حول البذور وإعداد دورات تدريبيّة حول الزراعة العضويّة وتيسير تبادل المعارف والمعلومات.

 إنّ الشعوب العربيّة والإفريقيّة في أمسّ الحاجة إلى بعث بنك أو بنوك لبذورها وأصولها النباتيّة وذلك لا فقط من أجل مجابهة تحدّيّات الأمن الغذائي ولكن أيضا للحفاظ على التوازن البيئي الزراعي وإيقاف النزيف الذي يهدّده من جراء الزراعات التي تعتمد البذور المهجّنة والمستوردة والتي تستنزف مصادر المياه وتتطلّب كمّيّات كبيرة من الأسمدة والمبيدات.

 إنّ التحدّي إنساني، فكما ساهمت إفريقيا في السابق في ترويج بعض البذور والنباتات وكانت مصدرا من مصادرها الأساسيّة فلا بدّ لها أن تواصل في نفس النهج وتتحوّل إلى درع واقي من أجل فلاحة بيئيّة ومستديمة.

 

المزيد من علوم وتكنولوجيا

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب