|

بدائل الخبرة
المتوسط اونلاين - يمرّ العالم بأزمة غذائية حادّة ويقدّر الخبراء أنها ستستفحل في السنوات القادمة بما يهدّد السيادة والأمن الغذائيين لعديد بلدان العالم وبالخصوص بلدان الجنوب. لكن هذه الأزمة لن تستثني البلدان المصنّعة بما أن إنتاجية التربة تعرف تراجعا في كل أصقاع العالم.
ففي كلّ أرجاء المعمورة تواجه الزراعة تحدّيات تستوجب مراجعة الاختيارات التقنية. فتدهور الأراضي الزراعية وتراجع مصادر المياه والطلب المتزايد على موارد الطاقة في ميدان الزراعة وبالخصوص في بلدان الشمال كلّها تطرح قضية قابلية الزراعة المتعارفة الحالية على الاستدامة في ظرف يعرف فيه العالم ارتفاعا في الحرارة ومستويات عالية من التلوّث طالت الهواء والماء والتربة واستفحال ظاهرة الانجراف والتصحّر وزيادة الطلب على الماء المخصص للري وتراجع التنوع البيولوجي واندثار نسبة هامة من أنواع النباتات والحيوانات.
سوف تعجز الزراعة عن تلبية الحاجيات الغذائية للأعداد المتزايدة من السكان. في الحقيقة، منذ عقود بدأت البشرية تعتني بالقضايا البينية وبالأخص بمخاطر الزراعة الكيميائية وتلوّث الغذاء بالمواد السامة الناتجة عن استعمال الأسمدة والمبيدات. لكن ما هي الزراعة المستدامة وهل ستقدر على توفير إنتاجية ضرورية لسد حاجيات السكان؟
واستنادا إلى الاتجاهات الراهنة التي يتبناها العديد من الخبراء الدوليين فأن معدّل النمو الزراعي سيعرف تراجعا بنسبة 1.9 بالمائة إلى حدّ سنة 2030 وهذا ناتج بالأساس عن تدهور التربة المرتبط بالاستعمال المشط للأسمدة والمبيدات والري.
ويقول شيفاجي بانداي خبير منظمة الأغذية والزراعة ومدير شعبة الإنتاج النباتي وحماية النباتات بالمنظمة أن: "أساليب الزراعة المتعارفة والمكثفة قد أدّت في أغلب الأحيان إلى ضرر بيئي وإلى تراجع معدّلات الإنتاج الزراعي في ظرف يتطلّب مضاعفة إنتاج الأغذية لتلبية حاجيات 9 مليار نسمة وذلك بحلول 2009... ليس أمام العالم من بديل سوى اعتماد إنتاج زراعي على نحو مستدام من أجل تلبية الطلب المتنامي على الغذاء والعلف مع التخفيف من ظاهرة الفقر وحماية الموارد الطبيعية..."
يرى خبراء المنظمة العالمية للأغذية والزراعة (الفاو) أن طرق استغلال التربة من طرف غالبية المزارعين خصوصا البلدان المصنعة قد تسبب في انجراف التربة والتصحّر.
تمثل الزراعة المحافظة على الموارد حلاّ بديلا للأساليب التقليدية والمتعارفة وذلك لعكس الاتجاه. فـ20 بالمائة من الأراضي الزراعية في العالم قد تضررت بفعل الانجراف.
قبل أن نتعرّض للزراعة المحافظة يجدر بنا التذكير ولو بإيجاز بالتربة وخصائصها.
التربة بين الزراعة والبيئة
التربة هي الطبقة المحدودة من غلاف الكرة الأرضية أين تتداخل وتتفاعل الصخور والهواء والماء والكائنات الحيّة وهو مجال أكثر تعقيدا من الهواء والماء. تتكوّن التربة من مواد عضوية وغير عضوية وسائلة وغازية وتحتوي على كميات هائلة من الكائنات الحية وتشكل المحيط الذي تتأسس على قاعدته ومن صلبه الحياة بمعناها الشامل. اعتمدت الزراعة على مدى زمن طويل على فرضية مفادها أن التربة مصدر لا ينضب للإنتاج ودون انقطاع. لكن هذه الفرضية تبدو اليوم خاطئة في الأساس.
فنحن نعلم أن تكوين صنتيمترا واحدا من الأرض المكسوة بالنباتات يتطلب بين 100 و400 سنة. يمكن تخليص دور التربة في ما يلي:
* إنتاج الكتلة الحيوية بفضل الزراعات والأشجار
* ترشيح وتحويل يربط الهواء والمياه الجوفية والغلاف النباتي أي حماية المحيط وبالأخصّ البشر بتوفير المواد الغذائية ومخزون من الماء الصالح للشراب.
* هي مسكن بيولوجي ومخزون هام للجينات يفوق كل الكتلة البيولوجية التي تعلوه كمّا وكيفا.
* هي ركيزة تقنية وصناعية واقتصادية وهي مصدر للمواد الأولية من طفل وحصى وتراب وماء وطاقة.
* هي إرث بيولوجي وثقافي وجزء من المشهد الجغرافي والبيئي ومعماري ضروري لدراسة الأرض والتاريخ البشري.
تتعرّض التربة للتدهور الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي بفعل الأنشطة الزراعية والتصنيع والعمران وبناء الطرقات والحرائق ونشاطات أخرى هدّامة كما تتأثّر بكثافة السكان والتغييرات المناخية.
من مفارقات هذا العصر أن الاستعمال المشط وغير الموجه لبعض التقنيات المتقدّمة قد أدّى إلى عكس النتائج المرجوّة وقد تبدو هذه الأخيرة على المدى المتوسط والطويل.
فلقد تطوّرت التقنيات الزراعية بمعزل وباستقلال تام عن المزارعين الذين اكتسبوا عبر التاريخ معارف عملية تنكّر لها الخبراء بل وتهكّموا منها. كان ذلك جليا بالنسبة للتقنيات التقليدية الموغلة في القدم كطرق مقاومة الانجراف (ما يعرف في تونس منذ العهد القرطاجني بالطوابي والجسور الصغيرة والتي تعرّض لها السيد صلاح الدين العمامي الخبير الزراعي والمدير السابق لمعهد البحوث الزراعية) وتداول الزراعات.
يمكن تلخيص أهم أشكال التدهور الفيزيائي للتربة في الانجراف والتصحر والتشبّع بالماء وتستيف التربة ورصّها والرعي الجائر والمكننة المشطة وكثرة الحرث والزراعة الأحادية... أما التدهور الكيميائي فيتمثل في زيادة الحموضة والملوحة والتعفّن بالملوثات الصغيرة والمبيدات ومخلفاتها والأسمدة والمعادن الثقيلة والآزوط والفسفور.
فبعض المبيدات تبقى في الأرض لسنين وحتى عقود.
في أوروبا تضرر 120 مليون هكتار من الأراضي الزراعية بفعل الانجراف الناتج عن الماء و42 مليون هكتار بفعل الانجراف الناتج عن الرياح وتمثّل هذه المساحة 16 بالمائة من الأراضي الزراعية. أمّا شدّة ملوحة التربة فلقد أضرت بـ 4 مليون هكتار وذلك ناتج أساسا عن الاستغلال المشط لمصادر المياه والريّ.
أخيرا لا ننسى تأثير التطور العمراني على التربة. ففي كل يوم تخسر هولندا 36 هكتارا من الأراضي الزراعية وتخسر ألمانيا 120 هكتارا والنمسا 35 هكتارا وسويسرا 10 هكتارا.
ما هي الزراعة المحافظة على الموارد
تعرّف المنظمة العالمية للأغذية والزراعة (الفاو) الزراعة المحافظة بكونها: "مصطلحا يمثل مجموعة من المفاهيم والممارسات الزراعية المتفاعلة مع بعضها البعض والمكمّلة لبعضها البعض. فعلى رغم التباينات الإقليمية في مزج وتركيز المكونات المحددة والمختلفة التي تشكل ممارسات الزراعة المحافظة على الموارد... فالثلاث مبادئ الأساسية تتواجد دائما وهي:
* حدّ أدنى من تقليب التربة: لا حرث أو حرث محدود.
* غطاء دائم للتربة (محاصيل الغطاء) وما يرتبط بها
* دوران وترابط المحاصيل الملائم والمتنوع
"تبدو الزراعة المحافظة على الموارد من شدّة حسنها أنها بعيدة عن الواقع" (الفاو). من جملة مبادئ هذه الزراعة نذكر:
* عدم حرق مخلفات المحاصيل بعد الحصاد وتجنيب حرث الكتلة الحيوية في الأرض وتركها تغطي الأرض.
* استعمال آلات ومعدّات خاصة لغرس البذور بصفة مباشرة ودون حرث الأرض.
* الحدّ من استعمال الآلات الزراعية كالجرارات الثقيلة وتجنب تستيف التربة والقضاء على المكونات الحيوية للتربة.
* الحدّ من عمليات التسميد واستعمال المبيدات وصولا إلى تجنبها (زراعة عضوية محافظة على الموارد).
* تغطية سطح التربة بالأعشاب للحفاظ على رطوبتها والحد من تبرعم الأعشاب الضارة وحماية الكائنات العضوية الصغيرة وتجنّب سيلان المياه والانجراف والمساعدة على تكوين المواد العضوية.
* الحد من عبور الأرض وتستيفها.
* الحد من استهلاك موارد الطاقة.
* الحد من استعمال الماء.
* الحد من تلوث الهواء والتربة.
* زيادة الإنتاج بتنويع الدورة الزراعية وتجميع زراعات وتنويعها في حقل واحد: حبوب مع بقول وقصب السكّر وفواكه وكروم....
* المحافظة على التربة والمياه.
* تخفيف عبء العمل والتحديد من الوقت المخصص للإنتاج الزراعي وبالتالي تنوّع سبل المعيشة وتنمية الأعمال وإتاحة الوقت لأنشطة أخرى.
* تحقيق استقرار إنتاجية المحصول من خلال الحد من الحساسية للجفاف.
* زيادة الإنتاج والحد من تلوث التربة ومن انبعاث ثاني أكسيد الكربون .
* تعزيز التنوع الحيوي وتنويع المداخيل الغذائية.
تمارس هذه الزراعة في مختلف مناطق العالم وذلك في ما يقارب 100 مليون هكتارا من الأراضي الزراعية خصوصا في أمريكا الشمالية والجنوبية (الولايات المتحدة الأمريكية، البرازيل، الأرجنتين،...) وبعض مناطق الهند حيث وقع الاستغناء تماما عن الحرث.
تتأقلم هذه الزراعة مع كلّ الأوضاع المناخية وأنواع التربة خصوصا في المناطق القاحلة التي تعرف نقصا حادا في مصادر المياه وتراجع في المواد العضوية للتربة.
قامت منظمة الفاو بإجراء تجارب في هذا الإطار وأنشأت مراكز تعاون دولية للبحوث الزراعية في أفريقيا وبالأخصّ كينيا وتانزانيا.
خبرات الماضي
بعد 50 سنة من ممارسة الفلاحة الكيميائية المضرّة بالتربة والمحيط هاهم خبراء التنمية الزراعية يكتشفون من جديد محاسن هذه الزراعة الجديدة. تشير تقارير المنظمة العالمية للأغذية والزراعة أن هذا النوع من النشاط الزراعي قد وقع اعتماده لأول مرة منذ 25 سنة وبالذات في أمريكا الشمالية والجنوبية. لكن الحقيقة التي لا تخفى على أحد أن هذه الزراعة قد مارسها الأفارقة والآسيويون منذ عصور ووقع التنكّر لها بالثورة الخضراء التي كانت خضراء بلون الدولار وسوداء قاتمة على التربة.
لماذا هذه العودة للزراعة المحافظة على الموارد وفي هذا الظرف بالذات؟ لقد كان للأزمة الغذائية العالمية وللتأثيرات السلبية للفلاحة الكيميائية على المحيط والتربة وتراجع إنتاجية هذه الأخيرة دور أساسي في دفع الخبراء إلى إعادة الاعتبار لمزايا الممارسات الزراعية التقليدية. فهذه المنظمة العالمية للأغذية والزراعة تقرّ بأن الزراعة العضوية في المزارع الصغيرة توفّر إنتاجية أرفع من إنتاجية المزارع الكبرى التي تُمارس فيها الزراعة الكيميائية بل إنها الحل الفعلي للأزمة الغذائية.
|