|
.jpg)
الطبيعة ام الإنسان؟
دومينيـك غييـه - اعترف أنني قد اعتقدت ولو إلى حدّ ما بسخونة المناخ الناتجة عن النشاط البشري وكنت أرى أن النضال ضدّ انبعاث ثاني أكسيد الكربون من شأنه أن يهدّد أسس النظام الاجتماعي الغربي والعولمة الجارفة.
من ناحية أخرى جعلت المنظمات غير الحكومية "الرسمية" والمختصّة في الاحتجاج من المطالبة بالحدّ من انبعاث ثاني أكسيد الكربون إحدى القضايا الأساسية في معاركها وقد ردّ العديد من المناضلين الشبّان ذلك بدون وعي وبكلّ حسن نيّة. بدأت الشكوك الأولى تخامرني بالأخصّ عندما اكتشفت في صالون الزراعة-السيارة في فيفري 2007 الأكذوبة الكبيرة حول المحروقات النباتية والتي كنت أطلق عليها في ذلك الوقت اسم المحروقات الناخرة. وقد اقتبست هذا التعبير من المفكّر Jean Pierre Berlan المهندس الزراعي والمختصّ في اكتشاف الأكاذيب السيميائية. في هذا الصالون العالمي كنت ترى وتسمع المؤسسات الدّولية العالمية للسكر والبتروكيمياء ومصنّعي السيارات تنشد سيمفونية المحروقات النباتية وكيف ستساهم في مقاومة سخونة المناخ وإنقاذ الأرض وهي تُقسم أنّ المحروقات النباتية لن تزاحم المواد الغذائية وقد تجاوب معهما عديد من ناشطي البيئة.
بعد بضع أشهر وقع الإعلان عن برنامج خاصّ بالبيئة: "غرونيل" البيئة وقد تحمّست له عديد المؤسسات البيئية المعروفة باحتجاجاتها مثل منظمة الدّفاع عن الطبيعة والسلام الأخضر وأصدقاء الأرض ومنظمات غير حكومية أخرى عضوة في التحالف من أجل الأرض. في تلك الفترة كنت قد كتبت مقالا حول ضرورة تحويل كلّ الأراضي الزراعية إلى زراعات عضوية من أجل تثبيت 3.7 طن من ثاني أكسيد الكربون في الهكتار الواحد وفي السنة والقضاء بالتالي على انبعاث كميات هامة من ثاني أكسيد الكربون. فلقد صرّحت المنظمة العالمية للأغذية آنذاك خلال ملتقى عالمي أن الزراعة العضوية قادرة على ضمان الغذاء لكلّ سكان المعمورة وحمايتنا من مخاطر التلوّث البيئي.
منذ ذلك العهد التزمت الصّمت ولم يخطر ببالي البتّة التشكيك في الدّعاية حول سخونة المناخ وارتباط ذلك بانبعاث ثاني أكسيد الكربون وقد مثلت هذه الدّعاية سلاح ناشطي البيئة من أجل الوصول إلى السلطة. ثمّ جاء اعتماد "أداء الكربون" (Taxe carbone) وكأنّه الوسيلة لزعزعة أسس النموذج الغربي ال
مبني على استغلال موارد الطاقة وتلويث المحيط. في خضمّ هذا الجوّ الذي أقلّ ما يقال عنه أنّه هستيري ودغمائي إلى حدّ التخمّر الصوفي يعجز الواحد منا عن اختيار أي من "الأولياء الصالحين". لقد انطلت عليّ مقولة سخونة المناخ خصوصا أثناء زيارتي للنيبال في شهر ماي الأخير حيث لاحظت تجفّف البحيرات.
هل أنّ ذلك مردّه ارتفاع حرارة المناخ؟ هل بلغت الحرارة مستوى أدّى إلى ذوبان أكوام الثلج بالهيمالايا وتبخّرها قبل أن تتحوّل إلى ماء يسيل ويزوّد البحيرات والأودية بالماء؟ لكن المزارع النيبالي يؤكّد من ناحيته أن لا شيء قد تغيّر وأنّه تعوّد على تغيّر المناخ. الحقيقة هي أن هذا المزارع النيبالي لا يهتمّ البتة بما يقال عن ذوبان الثلوج وبالتمويلات والاستثمارات التي توظّف للتدليل على العلاقة "العلمية" بين ارتفاع حرارة المحيط والزيادة المزعومة لانبعاث ثاني أكسيد الكربون وذلك منذ 1860.
منذ أيام ورغم برودة الطقس أحسست بحرارة تدبّ في دمائي عندما بلغني آخر كتاب للمؤلّف James Lovelock. فهذا الأخير هو الذّي صاغ "نظريّة "الغايا" Gaïa وقد غيّر من مواقفه دفعة واحدة في كتابه الصادر في سنة 2006 بعنوان "انتقام الغايا" . في هذا الكتاب يتحدّث المؤلّف عن حتميّة حدوث الكارثة البيئية ويؤكّد أنّ الحلّ سوف لن يكون سوى مزيدا من التكنولوجيا. من بين الحلول التي يقترحها: الطاقة النووية، التحوير الجيني، الزراعة المركّزة والمكثّفة (فقد بالغنا في الحديث عن مخاطر الزراعة الكيميائية) والغذاء الاصطناعي (في شكل حبوب وأقراص) وتركّز العمران في مناطق محدودة (شبيهة بالمحتشدات)... يعتقد المؤلّف أنّ هناك أيادي خفيّة تتلاعب بمجموعة الخبراء الدوليين حول تغيّر المناخ GIEC (ونحن نشاطره الرأي ولكن ليس في نفس الاتّجاه) ويعتقد أيضا أن حرارة الطقس سترتفع بـ 5 إلى 6 درجات بحلول سنوات 2016-2020. إذن لن يبقى من حلّ للبشرية سوى أن تنزح إلى القطبين ولم لا البدء بتأهيل الدببة والفقمة لتعاطي زراعة قطبية "مستديمة".
اعتقد أنّه قد حان الوقت لطرح بعض الأسئلة الهامّة حول المزاعم المتعلّقة بمقاومة سخونة المناخ. في الحقيقة يمكن الجزم أنّ الغالبيّة من ناشطي البيئة والمواطنين هم اليوم ضحية لأكذوبة كبرى تدّعي العلمية وقد ساهمت في ترويجها وسائل الإعلام والدّعاية. لكنّ هذه الأجهزة الإعلامية قد تجاهلت حقائق هامّة نذكر منها على سبيل المثال:
القضاء على المحيط العضوي وتسميم البشرية من طرف مافيا البذور والبتروكيمياء والصيدلة وذلك منذ 60 عاما وبعلم كلّ الأنظمة الغربية.
زرع الخوف وترهيب الناس من خطر الإرهاب وانتصار الفوضويين وهجوم مختلف أنواع الأنفلونزا كأنفلونزا الخنازير والخوف من ثاني أكسيد الكربون ومن اشتداد الحرارة.... كلّ ذلك للإعداد لنظام عالمي جديد والذي ليس سوى حساء قديما لم يقع تسخينه كما يرام.
فرض أداءات على الشعوب (أداء الكربون) بينما تواصل المؤسسات الكبرى تسميم المحيط وتلويثه وتكدّس لقاء هذا العمل المال والمتاع.
أخيرا لا يمكن أن نمحي بجرّة قلم تلك السرقة المالية التي ذهبت ضحيتها كلّ البشرية حيث وقع توظيف آلاف مليارات الدولارات لإنقاذ المصارف والبنوك وشركات التأمين على حساب المواطن.
إليكم بعض المعطيات الأوّلية.
أكثر من مليار نسمة لا يحصلون على القيمة الضرورية من الغذاء.
كلّ يوم يموت 35 ألف مواطنا وبالأخصّ منهم الأطفال من الجوع.
لقد تدهورت حالة التربة الزراعية وحسب الدراسات الأخيرة والرسميّة كلّ سنة يتعرّض 76 مليار طن من التربة إلى الانجراف وإذا ما تمادى هذا النزيف سوف لن يبقى أي متر مربّع من الأراضي الصالحة للزراعة بحلول سنة 2050.
2.6 مليار نسمة لا يتمتّعون بقنوات صرف المياه و1.3 مليار نسمة لا يحصلون على الماء الصالح للشراب بينما يموت كلّ سنة 2 مليون طفلا سنّهم دون الخامسة سنوات نتيجة لإصابتهم بالإسهال المرتبط بتلوّث مياه الشرب ونقصه.
يموت جزء من البشرية من التسمّم بالغذاء والمواد الكيميائية والزراعة الكيميائية والمواد الصيدلية (تمثّل الأدوية السبب الرابع للوفاة في الولايات المتحدة الأميركية).
يملك 300 شخصا ما يملكه 3 مليار نسمة الأشد فقرا ويعيش الأخيرون بأقلّ من دولار في اليوم.
إنّ مراجعة خاطئة لهذه المعطيات ضمن عمليّة سرد الكوارث المحدّقة بنا من شأنها أن تبرز المخاطر الحقيقية وتبيّن مدى صدق الإدّعاء بارتفاع الحرارة وما قد ينجرّ عنها من ارتفاع مستوى البحار والمياه بصفة عامة وانتقال البشر ونزوحهم واضطرار المزارعين إلى نقل زراعة العنب إلى الشمال على سبيل المثال.
أين تكمن الأكذوبة حول تغيّر المناخ؟
يعود تاريخ هذه الأكذوبة إلى السنوات السبعين من القرن الماضي وقد كانت هناك هستيريا حول انخفاض درجات حرارة الطقس إلى درجة القضاء على الزراعة. نتفهّم الدوافع التي حفّت بهذه الهستيريا علما بأنّ أرشيف الدراسات يشير إلى شهادات حول القضاء على بعض الزراعات والمجاعات المحلية والأمراض...
أنشئت "مجموعة الخبراء الحكوميين حول تغيّر المناخ": GIEC في سنة 1988 وهو فرع من منظمة الأمم المتحدة ويضمّ 2700 خبيرا و"عالما". قد يرى البعض في ذلك ضمان لمصداقية هذا التجمّع الدولي لكن كلّنا يعلم أن منظمة الأمم المتحدة قد عجزت عن تجنّب القضاء على عديد الشعوب في إفريقيا الغواتيمالا وفلسطين والعراق وأفغانستان.
أمّا منظمة الأغذية والزراعة وهي فرع من منظمة الأمم المتحدة قد عجزت عن إيجاد حلول للمجاعة وسوء التغذية في العالم. فهي عاجزة عن مواجهة مافيا الكيمياء والمبيدات والبذور ولم تحلْ دون دعم البلدان الغنية لزراعاتها وتركيع الزراعة المعاشية في بلدان الجنوب.
ألم يصرّح السيّد جاك ضيوف مدير هذه المنظمة بأنّه يمكن حلّ معضلة المجاعة وسوء التغذية بتخصيص نفقات القطاع العسكري للولايات المتّحدة الأمريكية لأسبوعين فقط أي 20 مليار من الدولارات؟ تبلغ النفقات العسكرية للبلدان الغربية 150 مليار دولارا في السنة. فتجارة الموت تحتلّ مكانة مرموقة في الاقتصاد العالمي.
لا ننسى أن المنظمة العالمية للأغذية والزراعة تعني أيضا "الدستور الغذائي" Codex alimentarius الذي سيكلّف حفنة من المؤسسات عابرة القارات بالتحكّم في غذائنا. هلْ نثق في المنظمة العالمية للصحّة ونحن نعلم موقفها إجمالا مع مصالح مؤسسات الصيدلة العالمية؟ هل نثق في اتفاقيّة الأمم المتّحدة لمقاومة التصحّر UNCCD ونحن نعلم أن التصحّر يتقدّم وأن للمؤسسات العالمية دور هام في هذه الكارثة البيئية؟
صرّح السيّد كوفي أنان السكرتير السابق للأمم المتحدة أنّه كلّ سنة يموت 300 ألف مواطنا من سخونة المناخ. إنّه لأمر مضحك؟ حتّى وإن قبلنا بهذه الإحصائيات فإن هذا العدد يمثّل 10 أيام من وفاة المواطنين من المجاعة؟ كمّ يمثل ذلك من يوم من الوفيات الناتجة عن الإصابة بمرض المالاريا؟ كوفي أنان هو رئيس لمنظمة غير حكومية: "Global Humanitarian Forum" (الملتقى الإنساني العالمي) وهي منظمة إنسانية عالمية أطلقت حملة في بداية جوان 2009 "حان وقت العدالة المناخية". يضمّ مجلس إدارة هذه المنظمة رئيس "مجموعة الخبراء الدوليين حول تغيّر المناخ" (GIEC) والمدير السابق لصندوق النقد الدولي والرئيس السابق للبنك الدولي ورئيسة مؤسسة روكفيلير...؟؟؟ يا للمنظمة غير الحكومية!
أسس Jeffrey Sachs المستشار الخاص لكوفي أنان منظمة غير حكومية "وعد الألفية" (Millenium Promise) وهي مختصّة في دفع "الثورة الخضراء" الأفريقية وذلك بالتعاون مع "بان كي مون" الرّئيس الحالي للأمم المتحدّة وتعني هذه الثورة ترويج ابذور المهجنة والمحورة جينيا التي تتطلب المزيد من المبيدات والأسمدة والماء والتخلي عن البذور الأصلية.
من بين أعضاء هذه المنظمة غير الحكومية نجد مونسنتو Monsanto ونوفارتيس Novartis و"سانوفي أفنتيس"Sanofi Aventis وGSK وكلّها مؤسسات منتجة للّقاح ضدّ أنفلونزا الخنازير وكذلك Lehman Brothers المالية المفلسة في شتاء 2008. من المعلوم أن مدير Lehman Brothers هو الشريك الثاني في مؤسسة: "التحالف من أجل حماية الطقس" التي أسّسها Al Gore في سنة 2006 وهو نائب رئيس سابق للولايات المتّحدة الأمريكية ومتحصّل على جائزة نوبل للسلام سنة 2007.
بعد تأسيسه لمنظمته ولمكتبه الخاص بلندن (Generation Investment management) هاهو ينتج فيلما عرف رواجا عالميا منقطع النظير بعنوان "الحقيقة المقلقة". من المعلوم أن منظمة Generation Investment management هي مختصّة في إدارة ما أصبح يُعرف بـ"قروض الكربون" التي تأسست بالتعاون مع David Blood المدير السابق لمؤسسة .Goldman Sachs أمّا السيد Paulsum الذي سمي "مخطط بولسن" على إسمه في الولايات المتحدة الأمريكية فهو أيضا مدير سابق لمؤسسة Goldman Sachs.
بعد أن قضّيت 18 سنة في التشهير بألاعيب ومخططات الشركات المتعدّدة الجنسية المختصّة في البذور لم يخطر ببالي يوما هذا التناسق وهذا التشعّب الهائل للمنظمات التي أصبحت تدعي حماية الطبيعة ومقاومة سخونة المناخ.
هناك شبكة سميكة ومترامية من المنظمات غير الحكومية التي ترتزق من هذا المفهوم الجديد: "سخونة المناخ الناتجة عن نشاط البشر". فهذه آبار الكربون تمثل أصلا تجاريا لا يعرف الحدّ. كلّ هذه المنظمات تعلم حق العلم أنه الطريق الأمثل للحصول على الاستثمارات والتمويل وهو الكربون. لقد اكتشفت شبكة جديدة تسمى Avaatz (ولست أعنى وكالة الأسفار) وقد أسّسها Ricken Patel الذي شغل سابقا مستشارا لمنظمة الأمم المتحدة ولمؤسسة روكفيلير ومؤسسة بيل غيتس... وهو ينظّم أكبر حملة "تحسيس" حول المناخ في شكل إنذار. ينشط نظام الدعاية من خلال سلسلة كاملة وكلّ حلقة توفّر ملايين الدولارات.
يمكن خلق مجموعات إلكترونية افتراضية "بلوغات" من نوع Twitter لربط مختلف الأحداث البيئية بعضها بعضا ووضع قاعدة بيانات هاتفية عالمية والاتصال بالمسؤولين واعتماد محترفين أكفاء في ميدان الإعلام. اعترفAl Gore بأن "منظمة Avaatz هي مصدر إلهام وقد قامت بأعمال جليلة هامة".
تنظم Avaatz مسيرات افتراضية في خارطات افتراضية وعلى شبكة افتراضية. هذا شكل من الدّوبي الافتراضي...
أمّا منظمة السلام الأخضر فلقد اقتحمت ميدان الاستيتيقا والعراء فهذا فرعها الفرنسي يدعو "لمواجهة فنية ومناضلة للدفاع عن الخمر الفرنسي" ويَدعو المواطنين للمساهمة في مهرجان يحسّس بمخاطر التغيرات المناخية وهم عراة حفاة. إنّه لمنظر مثير وغريب. لقد وقع ذلك في مزرعة للعنب بشهر أكتوبر وليس في مزرعة للعنب العضوي. حسب منظمة السلام الأخضر تهدد سخونة المناخ حقول العنب وقد تدفعهم إلى الشمال. لكن السؤال المحيّر يظلّ: هلْ من المجدي إنقاذ مزارع عنب كيميائية يحتوي خمرها على كميات من المبيدات تفوق 5800 مرّة ما يحتويه الماء الصالح للشراب؟ ماذا نقول عن الأطفال الذين يموتون يوميا بفضل المجاعة والإسهال والمالاريا والقنابل المحرّرة؟ أليس الأجدر بنا القيام بتجمّع سكّاني من العراة في قلب النيجر الذي يتعرّض إلى الفيضانات في منطقة Agadez حيث مناجم اليورانيوم التي توفّر المواد الأوّلية لمولّدات الطاقة الفرنسية؟
لنتخلّ ولو جزئيا عن المواقف العاطفية ولنحكّم المنطق! لقد اعترف ممثل منظمة السلام الأخضر ببريطانيا بأنّ "المنظمة قد كذبت حين أعلنت أن أكوام الثلج بالقطب الشمالي ستذوب بحلول سنة 2030. لقد روجّنا هذه الأكذوبة لإثارة العاطفة" أي للتخويف ولعمري هذه تقنية شعبويّة ناجعة لفرض النظام العالمي الجديد.
كم عدد المنظمات غير الحكومية المعتنية بقضايا الاحتباس الحراري وسخونة المناخ؟ إنّها تعدّ بعشرات الآلاف؟ لكن ما هي مصادر تمويل هذه المنظمات؟
يحقّ لنا أن نحلم بوجود عدد مماثل من المنظمات غير الحكومية المعتنية بالحفاظ على التربة علما بأنّ هذه القضية عاجلة وتتطلّب التّدخّل السريع وهي مصدر حقيقي للتغير المناخي من خلال الانجراف والتصحّر والقضاء على الغابات ولإنتاج غذاء الحيوان والماشية وإنتاج المحروقات النباتية وتغيير نظام نزول الأمطار... إنّ هذه المعضلة تستدعي حلولا سهلة وواضحة ولا تتطلّب تمويلات هائلة: إعادة التشجير، اعتماد البذور الطبيعية، نشاط زراعي متوازن يحترم التربة والمناخ، استعمال الأسمدة العضوية... لكن هذا لا يشكّل أصلا تجاريا للمنظمات غير الحكومية كما أنّه لا يتّفق مع مصالح مافيا البذور والبتروكيمياء.
يجدر بنا أيضا أن نطرح بعض الأسئلة لمجموعة الخبراء الدوليين حول تغيّر المناخ .GIEC نذكر قبل ذلك بأن ثاني أكسيد الكربون CO2 يتواجد في الجوّ المحيط بنسبة 0.038 بالمائة وهو يشكّل القاعدة الأساسية للحياة: التركيب الضوئي، التنفّس. يحتوي الهواء على 800 جيغا طن (800 مليار طن). يوجد ثاني أكسيد الكربون في:
النباتات: 600 مليار طن من الكربون في النسيج العضوي.
حياة المحيطات: 2 مليار طن من الكربون.
المساحة الخارجية للمحيطات: 80 مليار طن في شكل أيونات من ثاني الكربونات.
أعماق المحيطات: 35 ألف مليار من أطنان الكربون.
التربة: 200 مليار طن من الكربون.
تقدّر كمية الانبعاث الطبيعي لثاني أكسيد الكربون (حرائق الغابات، تنفس النباتات والحيوانات والكائنات التي تحتويها التربة) بـ772 مليار طن من الكربون.
تقدّر كميّة انبعاث ثاني أكسيد الكربون الناتج عن نشاط الإنسان بـ 29 مليار طن أي 3 بالمائة من المجموع.
فالفرضيّة التي قدّمتها مجموعة من الخبراء الدّوليين حول تغيّر المناخ GIEC والتي تحوّلت إلى قانون حتمي رغم معارضة عشرات آلاف العلماء والمختصّين تقول أن ارتفاع حرارة الطقس منذ 1850 مصدره زيادة انبعاث ثاني أكسيد الكربون. لا يمكن التعرّض لمجمل الدّراسات حول هذا الموضوع لأنّ ذلك يتطلّب مجّلدا كاملا وأدعو القراء إلى الإطّلاع على مقالاتي في الموقع الالكتروني Liberterre ولكنني اكتفي بطرح بعض النقاط البسيطة والهامة في نفس الوقت:
لقد خرجت البشرية منذ 1860 من عصر أطلق عليه بـ"العصر الثلجي الصغير" والذي دام قرونا عديدة (Petit age glaciaire). فالارتفاع التدريجي للحرارة والذي نعرفه منذ ذلك التاريخ هو أمر طبيعي بما أنّنا انتقلنا من عصر لآخر.
حسب الباحث الألماني Ernest Berk وغيره من الباحثين: "توفّر بين سنوات 1812 و1961 أكثر من 90 ألف قيس لثاني أكسيد الكربون باعتماد طريقة Pettenkofer وقد مكّنت من تحديد مستويات قياسية عالية مسجّلة في سنوات 1825 و1857 و1942. في سنة 1942 كانت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجوّ تقارب 400 جزءا من المليون وهي تفوق الكثافة الحالية. في أغلب سنوات القرن التاسع عشر كانت كمية ونسبة ثاني أكسيد الكربون أرفع ممّا وقعت معاينته في أيّامنا. هلْ حقا أن مجموعة الخبراء الدوليين GIEC لم تعتمد من جملة 90 ألف قيسا سوى تلك التي تساعدها على وضع خريطتها البيانية وتحديد مستوى اعتباطيا يقدّر بـ 220 جزء في المليون؟
كيف تفسّر مجموعة الخبراء ارتفاع درجات حرارة الطقس بين سنوات 1910 و1940 وعدم ارتفاعها بين سنوات 1940 و1975 وارتفاعها الأخير منذ سنة 1975؟
كيف يفسّر هذا التجمّع ارتفاع درجة حرارة المحيط في العصر الروماني والحال أنّه لا يكاد يوجد ثاني أكسيد الكربون المتأتي من نشاط الإنسان؟ فلقد سجّل الخبراء والمؤرّخون حالات ارتفاع للحرارة تقدّر بـ 2.5 درجة.
كيف نفسّر ارتفاع الحرارة في العصر الوسيط في غياب انبعاث ثاني أكسيد الكربون الناتج عن نشاط الإنسان؟ لقد مكّن ارتفاع الحرارة مجموعات "الفيكنغ" Vikings من الإبحار والاستقرار في "غرونلند" وبلوغ منطقة Kentuky وذلك 500 سنة قبل اكتشاف كريستوف كولومب لها. لقد كانت هذه الفترة جدّ مزدهرة بالنسبة لأوروبا. توحي بحوث المجمع الدولي إلى الإقرار بأنّ مستويات تركز ثاني أكسيد الكربون كانت دائما منخفضة. لكن الباحثون والعلماء يقرّون أن مستوى تركّز ثاني أكسيد الكربون قد بلغ 7000 جزءا في المليون قبل 600 مليون سنة أي 20 مرّة المستوى الحالي.
إنّ إطار هذا المقال لا يسمح بالتعرّض إلى مقاييس ثاني أكسيد الكربون عبر العصور ولكننا نحيل القارئ إلى كتابات عالم النبات البريطاني David Beerling الذي بيّن أنّه "إذا ما أردنا الحكم على النبات المعاصر والذي يغطي التربة فيجدر بنا التركيز على أوراقها. إنّه من الصعب علينا تصوّر نبات خالي من الأوراق المسؤولة عن التركيب الضوئي. لكن وعكس ما يتصوّره الغالبية فلقد ظهرت النباتات على وجه البسيطة منذ 465 مليون سنة وكانت دون أوراق... لم تبرز الأوراق سوى بعد 40 مليون سنة. من البديهي أن ثاني أكسيد الكربون في الجو كان يعرف نسبة عالية من التركّز عندما ظهرت أوّل النباتات".
هكذا لم تظهر الأوراق سوى في 40 مليون سنة. هلْ يقدر تجمع الخبراء على إيجاد تفسير لاستقرار درجات الحرارة رغم تغيّر مستوى تركّز ثاني أكسيد الكربون؟
لماذا يدّعي هذا المجمع أن العقد الأخير قد كان الأشدّ حرّا والحال أن المستويات القياسية للحرارة كانت على النحو التالي وبشكل تصاعدي: 1939، 1938، 1990، 1953، 1999، 206، 1931، 1921، 1998، 1934؟ قد يمكن إضافة جملة من الأسئلة وقد نتعرّض للشمس وبخار الماء والأشعة التي ترسلها الكواكب وارتفاع درجة حرارة المريخ والتقلبات التي تعرفها المحيطات.
لقد لوحظت حالة من برودة الطقس وتراجع درجات الحرارة في الفترة 1945-1975 رغم أن انبعاث ثاني أكسيد الكربون قد زاد.
تميّزت بعض المراحل التاريخية القديمة بارتفاع هام في درجات الحرارة ولم تكن هناك صناعات ملوّثة وانبعاث لكميّات كبير ة من ثاني أكسيد الكربون.
يبقى السؤال لماذا الحديث عن الحدّ من ثاني أكسيد الكربون والكلّ يعلم أنّ هذا المجتمع الذي تأسّس على قاعدة النفط والمحروقات لا يمكن له أن يغيّر من اختياراته دفعة واحدة خصوصا وأنّ الصين قادمة على مشروع ضخم سيستدعي مزيدا من استهلاك موارد الطاقة؟ لماذا الحديث عن "أداء الكربون" ؟ هل تحوّل ثاني أكسيد الكربون إلى كبش فداء؟
منذ عقود ونحن ننبه من الإعداد لسلطة عالمية وقد كان ذلك مجلبة للسخريّة والاستهزاء من طرف العديد ممّن نعتونا بالمختلّين والمضطربين عقليا. اليوم ينطق الجميع في البلدان الغربية والبلدان الصاعدة وبلدان الجنوب بالنظام العالمي الجديد وفي كلّ الأوساط بما في ذلك الحكومية والمسؤولة والرسمية.
النظام العالمي الجديد هو "الماركة المسجلة" لـ "رأس المال الاجتماعي" والحلّ الأمثل والضروري "لأزمة المناخ". أقرّ Gideon Rachman في افتتاحية مجلّة Finantial Times الصّادرة بتاريخ ديسمبر 2008 بأن "الحكم العالمي الرّشيد لا يمكن أن يصبح ناجعا وفعّالا إلاّ متى كان معاديا للديمقراطية". أمّا رئيس فرنسا السيد ساركوزي فلقد صرّح أخيرا: "نحن نسير نحو نظام عالمي جديد ولا أحد يمكن له الحيلولة دون ذلك". كلّ هذه التصريحات حول "الحكم الدولي الرّشيد" و"الحوكمة" الذي يشبه تعبير "التنمية المستديمة" والتي ما فتئ يصمّ بها Al Gore آذاننا تتطابق وتتلاقى مع "ضرورة إنقاذ الأرض من جحيم المناخ"...
كلّ سنة يزيد عدد الكوارث في القائمة المتعلّقة بارتفاع حرارة الطقس وسخونة المناخ. فهذا المعهد الوطني للبحوث الزراعية يلاحظ ارتفاع عدد أنواع من حشرة المنّة Pucerons خلال الأربعين سنة الأخيرة نتيجة لسخونة المناخ والحال أنّ ذلك مرتبط بالزراعة الكيميائية. منذ سنة 1985 لاحظ المدير المنسق من هذا المعهد السيد Francis Chabaussau أن "العلاقة بين النبات والميكروبات مرتبط بالغذاء وعدم توازن مكونات التربة. لا وجود لعلاقة بين هذه الحشرات و ثاني أكسيد الكربون".
أمّا المتحف الوطني لتاريخ الطبيعة فقد أكّد أنّ العصافير لم تعد قادرة على التحرّك بسرعة وهذا ناتج للتغيّرات المناخية وقد فنّدت جمعية حماية الطيور هذا الزعم: "في كلّ البلدان الأوروبية وخصوصا فرنسا تراجعت أسراب الطيور بنسبة 30 إلى 40 بالمائة وذلك منذ الفترة 1980-1990.... وهذا ناتج عن استعمال المبيدات. فبينما تمثّل المدن الكبرى سجونا ومقابر للطيور هاهي القرى تهجّر".
لاحظ المختصّون في البحوث الزراعية تراجع المردود وأكّدوا أن ذلك ناتج عن سخونة المناخ ولهذا توجّب علينا إيجاد أنواع من البذور تقاوم الحرارة. لكن لا أحد تساءل عن تدهور حالة التربة نتيجة للاستعمال المكثّف للأسمدة والمبيدات الكيميائية وقد كتب عن ذلك المختصّ الزراعي وذي الصيت العالمي Claude Bourguignon. أمّا منظمة السلام الأخضر فقد أقرّت أنّ حرائق استراليا ناتجة عن ارتفاع حرارة الطقس وقد اندلعت هذه الحرائق في منطقة محددة بينما عرفت المناطق الأخرى فيضانات فسّرتها المنظمة أيضا بسخونة المناخ. هلْ يعلم ناشطو منظمة السلام الأخضر أن استراليا قد عرفت الحرائق وموجات الجفاف منذ القدم وقد وقع تدوين ذلك منذ سنة 1789 أي منذ أن غزا الرّجل الأبيض هذه القارة. فحرائق فيفري 2009 قد تسببت في وفاة 170 شخصا وقضت على نصف مليون هكتارا. أمّا حرائق فيفري 1851 فقد تسببت في وفاة 12 شخصا ولكنها قضت على 5 مليون هكتارا. هلْ من الضروري أيضا تذكير ناشطي السلام الأخضر بأن استراليا قد تعرّضت على مدى قرن ونصف إلى اقتلاع الأشجار وإلى اندثار الغابات وهذا لتطوير الزراعة والتربة الكثيفة للماشية. كذلك عرفت استراليا موجة من الجفاف بين سنة 1910 وسنة 1945 وفترة من الفيضانات بين سنة 1945 وسنة 1975 وهي تعرف موجة جديدة من الجفاف منذ سنة 1975 وهذه التغيرات المناخية مرتبطة بالظواهر المعروفة بـ"نينو" و"نينا".
في النيبال دقّت المنظمة العالمية للحفاظ على الطبيعة ناقوس الخطر محذّرة من سخونة المناخ التي تهدّد أنواعا من الحيوانات في مناطق الهيمالايا.
كان الأجدر بهذه المنظمة أن تشير إلى تدهور حالة التربة الزراعية. فمنطقة "كتمندو" الأكثر خصوبة في العالم قد وقع حرقها مبيدات وأسمدة والنتيجة هي أن المزارع يبكي مصيره بعد أن غرّرت به شركات الكيمياء والبذور.
خلاصـة: يظهر أنّ سخونة المناخ أصبحت الغطاء الذي من خلاله يقع الإعداد لمشروع النظام العالمي الجديد وقد انطلت الدعاية حول ثاني أكسيد الكربون وسخونة المناخ والحال أن عديد المختصّين يقرون بأننا سندخل مرحلة انخفاض في درجات الحرارة خصوصا في بعض مناطق العالم. يكمن الحل في مزيد من التكنولوجيا والمبيدات والأسمدة والبذور المحوّرة جينيا والنانوتكنولوجيا من أجل زراعة دون مزارع. في إفريقيا بالذات تتركّز جهود المؤسسات الكبرى للقضاء على آخر أنواع بذور الطبيعية.
لا وجود للاعدالة مناخية ولكن هناك ظلم غذائي ولا وجود لـ"تيتانيك" مناخي ولكن "التيتانيك" هو بالأساس زراعي.
فهذه الهند لوحدها تخسر 200 ألف من نوعيات بذور الأرز لم يبق منها سوى 50 نوعا وهذه الطبقات الجوفية للمياه تستنزف. لا يكمن الحلّ في فرض دكتاتورية مناخية بل في إعادة الاعتبار للتوازنات البيئية وإعادة تشجير الأراضي وإعادة الاعتبار لدور المزارع والتخلّي عن النشاطات الهدّامة للتربة والنبات والحيوان.
ترجمة: سمير بسباس
النص ملخّص لثلاث مقالات لـ دومينيك غييي وهو مختصّ في البيئة والتربة والبذور وقد قضى عقودا من الزمن وهو يدعو إلى التخلي عن الفلاحة الكيميائية كما قام بتجارب ميدانية عديدة وأسّس موقعا إلكترونيا نشر فيه جلّ مقالاته وأطلق عليه: "تحرير الأرض"، صدرت هذه المقالات في تشرين الأول - أكتوبر 2009 وفيها يفنّد غييي نظريّة سخونة المناخ الناتجة عن انبعاث ثاني أكسيد الكربون.
|