من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

هل من سبيل للتقارب بين الفنون والعلوم؟ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 17 نوفمبر 2009 01:10

علم

 

جان مارك ليفي ليبلوند  - يستند البحث المحموم على تقارب والتقاء بين الفنون والعلوم على اعتقاد ما فتئ أن تحوّل إلى حجّة ودليل: تحتوي العلوم على جانب جمالي وهذا يقرّبها من الفنون. عديدة هي التصريحات الصادرة عن العلماء والتي تدافع عن هذه الفكرة.

فهذه ماريا كيري (Marie Curie) تصرّح: "قد نندهش لمجرّد إثارة عامل الإحساس عند التّعرض إلى البراهين الرّياضية التي تبدو وكأنّها لا تهتمّ سوى بالفكر والذّكاء. لكن هذا الاندهاش أو الاستغراب  يتجاهل الإحساس بجمالية الرّياضيات والتناغم بين الأرقام والأشكال والأناقة الهندسية. إنّه شعور جمالي فعلي ويعرفه كل علماء الرياضيات ويشعرون به".

أمّا هنري بونكري (Henri Poincaré) فقد ذكّرنا بأنه "عندما كان اينشتاين يشتغل على نظريته الخاصّة بالجاذبية لم يكن يحاول تفسير نتائج معايناته بل كان هدفه الوحيد العثور على نظرية جميلة ولنقل لطيفة... كان يسترشد بجمالية معادلاته.

في نهاية المطاف سنضطر إلى طرح السؤال التالي: مادامت هناك أكاديمية للفنون الجميلة والآداب الجميلة ما يمنعنا من أن نتصوّر أكاديمية للعلوم الجميلة؟ لكن تعميم مثل هذه النعوت يطرح إشكالا؟ عن أي جمال نتحدّث؟ ممّا لا شكّ فيه أن النشاط العلمي، منذ القدم وحتى عصر النهضة، قد ارتبط ولو جزئيا بالاهتمامات الجمالية التي لعبت دورا محرّكا لهذا النّشاط.

فالرياضيات والأصوات الموسيقية من ناحية والهندسة وأشكال التصوير تقدّم لنا مثالين موثقين يؤكدان هذه العلاقة وهذا الترابط. لكن في القرن السابع عشر وبعد الثورة ، بدأت هذه العلاقة تضعف وتتحلل تدريجيا بحيث تعمّق استقلال العلوم المعاصرة داخل المجال الثقافي وتباعدت المسافات بين العلوم والفنون.

 سنتعرّض هنا إلى ادّعات العلوم اكتسابها لأشكال جمالية خاصة بها ولن نهتمّ بمدى مساهمة العلوم في النشاطات الجمالية عبر التاريخ.

 

علوم جميلة كما هي في السابق

 

معظم المدافعين عن الجمالية الكامنة في العلوم يتبنون مفاهيم تقليدية للعلوم. فهم يعتمدون معايير جمالية كلاسيكية ويؤكدون على التناسق والتناظر والاقتصاد... إنها جمالية المعابد اليونانية (بدون اعتبار جانبها البربري) والمدن المثالية لعصر النهضة وفرساي. فهذه المقارنات المعمارية تتكرّر بحيث تشبه النظريات العلمية الهامة مع المباني المهيبة. فالصورة الشهيرة لرافاييل ومدرسة أثينا بإطارها البديع تجسّدان بقوّة هذا المفهوم. نجد من بين هؤلاء المدافعين عن جمالية العلوم علماء رياضيات في الواجهة الأمامية يحيطون ببيثاغور يسارا وإقليدس يمينا وذلك بنظام دقيق ورائع وتحت رقابة عين الفيلسوف السائدة والمهيمنة التي تفرض نفسها في المركز متجسّدة في أفلاطون وأرسطو. من المعلوم أن أرسطو هو أوّل من افتتح الإعلانات والتصريحات حول جمالية العلوم. يقول أرسطو: "هؤلاء الذين يجزمون أنّ العلوم الرياضية لا تهتم البتة بالجميل والحسن مخطئون... فمن بين أهم أشكال الجميل نذكر النظام والتناسق والتماثل والتناظر والتحديد وهذه جوانب تعتني بها الرّياضيات في المقام الأول...". من دون شك فإنّ هذا الجميل العتيق هو الذي تشير له النظريات المدافعة عن جمالية العلوم وفي أغلب الأحيان تحيل بصفة خاصّة إلى الجميل الأفلاطوني حيث يرتبط الجميل بالحقيقي بصفة وثيقة ودائمة ويتجسّد ذلك بالخصوص في تصريحات برتراند روسل الذي يرى أنّ الرياضيات لا تملك فقط الحقيقة ولكنّها الجمال في أسمى مظاهره، الجمال الصامت والخفي الذي يتجلّى في النحت"، أو تأكيد Louis de Broglie أن التصوّر الذي يتمكّن من تحقيق تأليف يجعل صاحب النظرية يشعر بجمالية بحيث يدفعه إلى الاعتقاد بأن نظريته تحتوي على قدر كبير من الحقيقة. لا تستمد هذه النظريات جماليتها من كونها بسيطة أو مثيرة ولكن من قدرتها على ابراز جانب الانسجام أو التناسق الذي يختفي وراء تنوّع المظاهر والأشكال وتحويل تعدّد الظواهر إلى وحدة عضوية".

يذهب البعض إلى إيلاء الأسبقية للجميل على الحقيقة وهذا في تعارض مع كلّ الإبستمولوجيا المتفق عليها والتي أجمع عليها الغالبية. فهذا Paul Dirac يصرّص "على الباحث الذي يرنو إلى التعبير عن القوانين الجوهرية للكون من خلال لغة رياضية أن يضع جمالية الرّياضيات في المقدمة. في أغلب الحالات تلتقي متطلبات البحث عن البسيط والجمال لكن عندما تتعارضان تحتل الأخيرة الأولوية. إنّ الحصول على معادلات جميلة أهمّ من مطالبتها بالاتفاق مع التجربة... يبدو أنه كلما سعينا لبلوغ هذه الجمالية فإننا نضمن التقدّم دون ريب".

يقول Herman Weyl "أثناء قيامي بنشاطي وبحوثي حاولت دائما أن أوحّد بين الحقيقة والجمالية وعندما اضطررت إلى الإختيار بينهما اخترت عادّة جانب الجمالية". هكذا إذن نحن أمام مفهوم ميتافيزيقي بحت يلتقي فيه الجميل مع الحقيقي: "لأنّ تناسق أو انسجام العالم ينعكس ويتجسّد في شكل وعدد والقلب والرّوح والشعر والفلسفة الطبيعية كلّها تتلخّص في مفهوم الجمالية الرياضية. كذلك فإنّ طابع الكمال والرّوعة والدقة للرياضيات يجعل من كلّ نشاط أكثر جمالا وتناسقا أفضل وأكثر فائدة" (D’Arcy Thomson) أو لنقل مع Oersted بسرعة وبأسلوب يلامس التصوّف : "إن جمالية العلوم هي فكرة اللّه التي تعبّر عن الأشياء".

لكن هل يمكن لهذه النظرة المثالية أن تحمل قيمة كونية؟ أليس من المثير أن تقتصر هذه الأفكار على بعض المختصين في الرّياضيات والفيزياء؟ فمن الصعب العثور على بيانات ومواقف مماثلة في أوساط علماء الطبيعية وعلوم الحياة والأرض. فهذا الانبهار بـ"المعادلات الجميلة" الذي يريد تعميمه أصحاب النظريات الرّياضية ويستند في غالبية الحالات على شعور بالبساطة السامية التي لا يمكن لها أن تتفق مع التعقيدات وهذه الأخيرة لا تسمح البتّة للعلوم الطبيعية وعلوم الحياة أن ترتقي إلى تلكم الشكلانية الأنيقة للفيزياء Formalisme.

من رحم علوم الطبيعة يبرز عادة شعور جمالي عميق وقوي في أوساط الباحثين والهواة على حدّ السواء وهذا أمام بهاء وروعة العالم الحيواني والنباتي المثير. لكن هذا يثير التباسا حول جمالية العلوم بما أنّه يخلط بين مسألتين مختلفتين. فليس من الغريب أن يدحض عالم البيولوجيا ثوماس هوكسلي بصفة جذرية ادعات العلوم بأنها تحوي في طياتها وكنهها جمالية خاصّة ويذكر منذ نهاية القرن التاسع عشر بتلك المقولة الشهيرة: "إن أكبر تراجيديا عرفتها العلوم هي المجزرة التي تتعرّض لها نظريّة باهرة من طرف حدث بائس". في نفس الاتجاه وبعد نصف قرن صرّح السيد Schr?dinger أحد مؤسسي النظرية الكنتية وأحد روّاد البيولوجيا الجزيئية "اللاّمركية Lamarkisme نظرية جميلة مثيرة وتثير الحماس... لكنّها مع الأسف خاطئة".

هذا Henri Bauasse  الفيزيائي المعروف بعدم احترامه للقوانين والعادات الأكاديمية يلتحق بهوكسلي ويدحض بكلّ سخرية ادّعاءات التوجّهات العلماوية Scientistes  بأنّها تمتاز بجمالية أيّا كانت. "لا أرى للعلوم أي جمال وبهاء". هل من الجمال في شيء أن يكون الكربون رباعي التكافؤ والنتيتروجين ثلاثي أو خماسي التكافئ؟ هل تكتشفون أي جمالية خاصّة بمسحوق القطن سواء كان قابلا للذوبان في الأثير أو العكس؟ هل تعتبرون أن سقوط الحجارة حسب حركة متسارعة بانتظام أمرا جميلا؟ هل تكتشفون أي جمالية في كون النجوم تتجاذب وفق تربيع عكسي للمسافة الفاصلة بينها؟ هل ستفقد العلوم جماليتها في حالة التجاذب وفق مكعب معكوس...؟ أو هل ستكتشفون جمالية خاصّة بالقوانين العلمية وكامنة فيها أو في تناقضاتها الداخلية... إنّه من السذاجة أيضا اعتبار العلم جميلا أو فاضلا". مع ذلك، حتى بالنسبة للرّياضيات والفيزياء لا يمكن تطبيق المعايير والمقاييس الكلاسيكية وهذا ما تبيّنه الأمثلة التاريخية. فهذا جاليلي، المتخلّف في هذه المرّة عن عصره، يرفض مدارات الكواكب الإهليليجية لكبلر Kepler باعتبارها غير مقبولة من الناحية الجمالية وبما أنها تقطع مع التماثل التّام التي تختصّ بها المسارات الدّائرية. لقد كانت الأوضاع الثقافية قابلة ومهيأة لاعتراف بالإهليلج Ellipses وبخاصياته الجمالية عكس ما كان يراه جاليلي. كذلك دحض عالم الرياضيات hermite استنتاجات علم التحليل الرياضي. فلقد كتب في نهاية القرن التاسع عشر، وفي سنة 1893 ما يلي: "أتنكّر بكل فضاعة للدّالات fonction  الرّياضية المتواصلة والتي تقبل بالتفاضل" رغم أنّ هذه الدالات أو المعادلات أصبحت اليوم  جزءا لا يتجزء من الرّياضيات وقد ساهمت في إضفاء طابع البساطة والأناقة في آن واحد على التطوّرات اللّاحقة للرّياضيات. لكن الحجّة الجازمة التي يقدّمها البعض ويدحضون بها جمالية العلوم الشكلانية تستند على معاينة عديد النظريات التي تبدو جميلة ولكنّها تظلّ خاطئة بل غير ذات جدوى وهذا جلي بالأخص في مجال الفيزياء. على سبيل المثال نذكر نظرية  Dootsrayer في فيزياء الذّرات والتي تعتبر الذرة مكوّنا أوّليا ومركبا في الآن نفسه...

لا نلاحظ توافقا بين النظريات الرياضية والقوانين الفيزيائية من ناحية والتوجهات كالإثباتات والتجارب. فكم من نظرية رياضية جميلة لا يمكن إثباتها والعكس بالعكس. على سبيل المثال نذكر فرضية Fermat الأنيقة والبسيطة (جمع ضوارب عددين كاملين لا يساوي ضارب عدد كلّما تجاوز الضارب اثنين) والتي لم يقع إثبات صحّتها سوى بعد 4 قرون وهذا الإثبات تطلّب تعقيدات تقنية أفقدتها كلّ جانب جمالي.

 تطرح في هذا المجال بالذات مسألة تقاسم الشعور الجمالي في الوسط العلمي. أليس من قبيل المفارقة أن يدافع بعض الفيزيائيين والرياضيين عن جمالية معادلاتهم ويحاولون إقناع المبتدئين والهواة بذلك والحال أن محتوى نظرياتهم ومعادلاتهم يظل "باطنيا" إلى حدّ بعيد؟ فإذا كانت أناقة الوضوح لنظرية أنشتاين يمكن لها أن تغالط وتبهر غير المختصين فهل يقدر هذا العالم على ابراز نفس الشعور والإحساس أمام معادلات Navier –stokes الخاصّة بالهيدروديناميكا على سبيل المثال؟ أو هل من المفروض على الهواة والجاهلين بهذه الاختصاصات أن يتمسكوا فقط بالانبهار لمجرّد التعرّف على هذه الكتابات الغريبة أي هذه الكتابات والمعادلات التي يعجزون على مجرّد قراءتها وفهمها. فحصر عملية التمتّع والشعور بجمالية المعادلات على المختصين في التمتّع بمشاهدتها مسألة تدارسها العالم الفيزيائي Albert Messiah وأقرّها بكلّ تهكّم في مبحثه حول الميكانيكا الكوانتية وقد خصّص جزءا منها لمعادلة Dirac وهي حجر الزاوية للنظرية الكوانتية  النسبية وعبّر عن ذلك بترديده لمقولة شهيرة : "أنا سوداء لكنّني جميلة".

من المعلوم أن الاعتراف بالقيمة الجمالية للآثار الفنية ليست مسألة آلية بحيث يتطلب تقديرها تربية ثقافية. لكن التجربة الفنية تتطلب التواصل والترابط بين عناصر تتوسّط بين ردود الفعل الأكثر سخافة وجهلا للهواة وبين المقاربات الدقيقة والعميقة للعاملين بشؤون الفنّ. لكننا لا نعثر على أي شيء من هذا القبيل في مجال العلوم باستثناء بعض الحالات النادرة.

نستخلص أن الفكرة الكلاسيكية حول جمالية العلوم، مهما سمت وبلغت من درجات النبل ووفّرت من ضمان وراحة لبعض العقول فهي تستند على أساس ضعيف وواهي وذي بعد محدود.

ليس للتحوّلات العميقة للجمالية التي عرفتها الحداثة أي مقابل من جانب العلوم. فحتى المفاهيم الرومنطيقية الخاصة بالجمال والتي ترتبط بالتصوّر الجاف والباهت لفكرة ما ولكنّها تستثمر المشاعر الإنسانية فإنّها لم تجد لها سبيلا في مصطلحات وتعبيرات علماء العصر. أمّا التحوّلات التي عرفتها الفنون التشكيلية في نهاية القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين فلم تجد لها أي صدى في المخابر. فهذا "الجمال الإختلاجي" للسرياليين لم يثر على ما يبدو اهتمام المختصين في الرّياضيات والفيزياء... وحتى عملية نزع القيمة الإسطيتيقية للفن المعاصر وابتعاده التدريجي عن مفهوم الجمال والجمالية وخروقاته لم تلق لها صدى في الوسط العلمي. لاحظ Gian – Carlo Rota في إحدى مقالاته الخاصّة بهذا الموضوع أنّه "بينما يلاحق مفهوم الجمال الرسامين والموسيقيين يحلو لعلماء الرياضيات الحديث عن جمالية الرياضيات. يؤكد الفنانون المحترفون على الجوانب التقنية أكثر منها الجمالية بينما يحلو لرجل الرياضيات إصدار أحكام حول جمالية أقسام الرّياضيات المفضلة لديهم. لكن لو تعمّقنا في المسالة وتفحّصناها جيّدا لتراءى لنا أن الخاصيات الجمالية المزعومة للرّياضيات لا تمت البتة لجمالية الفنون".

في المقابل وإذا كانت العلوم الكلاسيكية قد أكّدت على مفهوم الجمال أي جمالها ببعديها المثالي والفكري تقترح العلوم المعاصرة مفهوما مباشرا وملموسا لهذا الجمال. هكذا وقع فرض اسطيتيقا لا تمت للبناءات المجردة ولكن لأشكال ملموسة. فالجمال الخاص بعالم الأفكار الأفلاطونية يترك المجال لانبهار المشهد الذي يوفره الوسط الإعلامي.

فمنذ بضع سنوات، عرفت الصورة العلمية تطوّرات مذهلة : آلات مراقبة من أحجام متعدّدة، تقنيات معالجو الصور، تقنيات الإبراز (أشباه الألوان، نظام 3D ...)، محاكاة الصور، اعتماد الوسائل والآلات الرّقمية وكلّها أفرزت هجوما ضوئيا كاسحا اخترق صفحاتنا وشاشاتنا. فمن علم الفلك إلى الميكروبيولوجيا تحوّلت العلوم إلى مصنع ضخم للصّور المبهرة سواء تلك التي تجسّد الأشياء الغريبة والتي تستعصى على التجربة المشتركة (سراب جاذبي كزني وهياكل من ذرات النانو...) أو مظاهر فريدة من عالم الأشياء المشتركة والمعاشة (التركيز على رؤوس الحشرات، خارطة تحت بنفسجية...). هناك إغراء يشدّد عنفا وقوّة كلّ يوم يدفع نحو اللّجوء المستمرّ للنظر والانبهار بهذه الأشكال والصور الفريدة. لكن هذا الإغراء لا يحمل في طياته شيئا جديدا سوى أنه يدّعي العلمية. فمنذ دخولنا "عصر إعادة االانتاج الميكانيكي" للآثار الفنيّة (Benjamin) تحوّلت الصورة إلى بضاعة ولم يعد هناك أي فرق بين الصورة الأصلية والنسخ. لم تتوانى الأوساط العلمية في هذا الميدان عن مسايرة وسائل الإعلام وحتّى المبادرة وعرض أسرارها المهنية لأنظار الجهلة وغير المختصّين. فقد يوفّر التأثير المشهدي على عامة الناس تعويضا لتلك التعقيدات والمفاهيم الغريبة التي تستبطنها العلوم ويسمح بتدارك بل بتجاوز ذلك النفور من المفاهيم المستعصية والخاصة بميادين علمية محدّدة. فمن ناحية تزداد المفاهيم تعقيدا وغرابة بينما تقدم منجرات العلوم للعامة صورة تأخذ بلبّ المواطن البسيط دون أن يعني ذلك أنه فقه شيئا عنها أو أنه تمكّن من قدرة حقيقية على نقدها وتقييمها. تجسّد المواقع الخاصّة بالمؤسسات الكبرى مثل الناسا تماما هذا الإبهام الخاصّ بالإيكونغرافيا العلمية المعاصرة. فإلى جانب الصور التي توفّرها الدراسات العلمية بصفة مباشرة توجد صور عديدة أخرى منتقاة لا لشيء إلاّ لأهميتها من الجانب البصري أكثر منه العلمي أي الجانب المشهدي الذي يجعل المواطن البسيط ينجذب أيّما انجذاب وينبهر لمجرّد بروز الصور أمام عينيه. تختلط في هذا المجال الدعاية والإشهار ونشر الصورة المثيرة مع المعلومة والإعلام المفيد والجدّي وهذا تماما كما نشاهده في مجال الإعلام المعاصر. فعديد المعارض التي نظّمت تحت شعار "الفن والعلوم" تقدّم صورا فلكية وميكروسكوبية تثني نظر المشاهد عن معناها الحقيقي. كلّما تصنعت التكنو-علوم وتعسكرت إلاّ ولجأت إلى التبرير الفنّي كما لو أنّها تحاول إخفاء الحقيقة التي عبر عنها D’Arcey Thompson منذ قرون حينما قال: "عندما كنت شابا كانت العلوم تسير اليد في اليد مع الفن. أمّا اليوم فهي تسير إلى جانب التجارة".

يمكن التعمّق أكثر في المسألة. إليكم على سبيل المثال الصور البارعة المستوحاة من علم الفلك والمنتشرة : "جميل كنجم". فهذا التعبير لم يخضع يوما لإثبات أو تبرير.

 

ترجمة : سمير بسباس

 

 

     

 

المزيد من علوم وتكنولوجيا

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب